عبد اللطيف البغدادي
6
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
من وحى النكتة ، أو من ضرورات الارتزاق ، أو من الغيرة ، أو من تملّق الغير ، أو من النفاق ، إن صح هذا فعلينا أن نعير كل هذا الهجاء في عبد اللطيف البغدادي بعض الاعتبار إذا جاء على لسان شخص في وضع القفطي ، وهو من سلالة علماء وقضاة ، ارتقى إلى أعلى مناصب الدولة ، وكان وزيرا لأكثر من ملك ، ولقب بالقاضي الأكرم بعد أن لقب والده بالقاضي الأشرف وجده بالقاضي الأوحد . إن ابن القفطي يصف عبد اللطيف البغدادي - كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد - بأن « تصانيفه غاية في البرودة والركاكة » وأنه - أي البغدادي - كان إذا اجتمع بصاحب علم فر من الكلام معه في ذلك العلم وتكلم في غيره » ، وأنني - أي القفطي - اجتمعت به واختبرته ، فرأيته فيما يدعيه كالأعمى الذي يتحس ويدعى حدة النظر وما وثقت من روحي بذلك حتى سمعت جماعة من أهل علوم متفرقة قد كان يدعيها ، بعد نظره وكلامه نظير ما علمته منه » . وبغض النظر عن هذا الإلحاح الغريب من القفطي في ملاحقة البغدادي بالامتحان تارة ، وتتبع آراء العلماء فيه دون ذكر لأسمائهم أو مراتبهم من العلم والمعرفة تارة أخرى ، ثم ما قد يثيره كل ذلك من الشك في هجائه المقذع العنيف ، وإمكان إحالته إلى شئ من الضغينة الشخصية . . . بغض النظر عن كل ذلك فإن القفطي نفسه على علمه وفضله لم يخل من التجريح ومن هجاء معاصريه ، وتكفى الإشارة في هذا الصدد إلى ما قاله فيه عماد الدين سليمان بن عبد الملك الزاهد داود بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وسيأتي ذكره بعد حين . إن هذا النقد الارتجالى للعلماء كان - على ما يبدو - سمة واضحة من سمات ذلك العهد المضطرب ، المائج بالمهاترات والأحداث . ترى هل كان البغدادي عالما حقا ؟ أم تراه كان دجالا متجولا يبيع سلعه